المسألة الخامسة: حكم الوتر وفضله ووقته
حكمه: سنة مؤكدة، حث عليه الرسول ﷺ ورغب فيه، فقال ﷺ: (إن الله وتر يحب الوتر). وقال ﷺ: (يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر).
ووقته: ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر بإجماع العلماء؛ لفعله ﷺ، ولقوله: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: صلاة الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر).
فإذا طلع الفجر فلا وتر، لقوله ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى). فهذا دليل على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.
قال الحافظ ابن حجر: (وأصرح منه ـ يعني في الدلالة ـ ما رواه أبو داود والنسائي، وصححه أبو عوانة وغيره ... أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر).
وصلاة الوتر آخر الليل أفضل منه في أوله، لكن يستحب تعجيله أول الليل لمن ظن أنه لا يقوم آخر الليل، وتأخيره لمن ظن أنه يقوم آخر الليل؛ لما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل)
📖 تعليق الشيخ
##المبحث الأول: مسميات صلاة الليل وتوضيحها
المصطلحات: تُطلق أسماء: (قيام الليل، التهجد، التراويح، الوتر، الشفع والوتر) على صلاة واحدة وهي صلاة الليل.
سبب التسمية بالوتر: لأن صلاة الليل تُختتم في النهاية بعدد فردي (سواء كانت 3، 5، 7، 9، 11، 13، 21، أو 23 ركعة).
الشفع والوتر: يُقصد بـ "الشفع" الجزء الزوجي من الصلاة (الركعات التي تُصلى مثنى مثنى)، ويُقصد بـ "الوتر" الركعات الفردية التي تُختتم بها الصلاة.
التهجد: يُطلق هذا الاسم غالباً على صلاة الليل التي تُؤدى في آخر الليل بعد النوم والاستيقاظ.
##المبحث الثاني: حكم صلاة الوتر، فضلها، ووقتها
1. حكم الوتر:
ترجيح المُحاضر: سُنَّة مؤكدة عند جمهور أهل العلم (المالكية والشافعية والحنابلة)، وليست واجبة.
رأي الأحناف: الوتر (واجب).
***
2. فضل الوتر:
قال ﷺ: «إن الله وتر يحب الوتر».
وقال ﷺ: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر».
وقال ﷺ: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم».
توضيح المُحاضر: "حُمر النَّعَم" هي الإبل الحمراء، وهي أغلى وأنفس أموال العرب في ذلك الوقت، وتُعادل في زماننا الحالي امتلاك سيارة فارهة وباهظة الثمن، دلالة على عِظم قدر الوتر وضرورة عدم تضييعه.
***
3. وقت صلاة الوتر:
البداية والنهاية: يبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء، ويمتد إلى أذان الفجر الصادق، وبأذان الفجر ينتهي وقت الوتر (بإجماع العلماء).
أفضلية الوقت (التأخير أم التعجيل):
التعجيل قبل النوم: يُستحب لمن خشي ألا يستيقظ، أو كان استيقاظه متقطعاً وغير مضمون.
التأخير لآخر الليل: يُستحب لمن طمع وغلب على ظنه أنه سيستيقظ (وهو الأفضل لأنها مشهودة).
الدليل: ما رواه جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل».
دليل آخر أورده الحافظ ابن حجر: كان ابن عمر يقول: «من صلى من الليل فليجعل آخر صلاتي وترا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بذلك» (وفي رواية ذكرها المُحاضر بمعناها: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا»).
***
4. مسألة: الصلاة بعد أداء الوتر:
الحكم: يجوز لمن أوتر أول الليل ثم استيقظ آخره أن يصلي قيام الليل.
الصفة: يُصلي (مثنى مثنى) فقط، ولا يُعيد الوتر (لا وتران في ليلة).
الدليل: ثبت أن النبي ﷺ: «صلى في ليلة تسع ركعات ثم صلى ركعتين» (أي صلى بعد الوتر).
الأفضل والأكمل أن يكون الوتر هو آخر ما يصليه المسلم في ليله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (متفق عليه).
##المبحث الثالث: صفات أداء صلاة الوتر وعدد ركعاتها الثابتة
أوضح المُحاضر أن أقل الوتر ركعة واحدة، لحديث ابن عمر وابن عباس مرفوعاً: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وحديث: «صلى ركعة واحدة توتر لك ما قد صلى». وللوتر صفات متعددة ثابتة عن النبي ﷺ:
1. الوتر بثلاث ركعات (وهي الأشهر):
لها صفتان جائزتان، وصفة منهي عنها:
الصفة الأولى الجائزة (الفصل): صلاة ركعتين والجلوس للتشهد والسلام، ثم صلاة ركعة واحدة بتشهد وسلام.
الصفة الثانية الجائزة (السرد): صلاة ثلاث ركعات متصلة بتشهد واحد في الركعة الأخيرة وتسليم. والدليل حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن».
الصفة المنهي عنها: أن تُصلى بتشهدين (أوسط وأخير) وسلام واحد، لقوله ﷺ: «لا توتروا بثلاث تتشبهوا بصلاة المغرب».
2. الوتر بخمس ركعات:
تُصلى خمس ركعات متصلة سرداً، بتشهد واحد فقط في النهاية وسلام.
3. الوتر بسبع ركعات (لها صفتان):
الأولى: سبع ركعات متصلة بتشهد واحد في السابعة وسلام.
الثانية: صلاة ست ركعات والجلوس للتشهد في السادسة (دون سلام)، ثم القيام للسابعة والجلوس للتشهد والسلام.
4. الوتر بتسع ركعات:
تُصلى متصلة، ويجلس للتشهد في الركعة الثامنة (دون سلام)، ثم يقوم للتاسعة ويجلس للتشهد ويُسلم.
##المبحث الرابع: صفة الشفع، قيام الليل، والتراويح
1. صفة الشفع (ما يسبق الوتر):
صفتان وردتا عن النبي ﷺ:
مثنى مثنى: صلاة ركعتين ركعتين، لقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».
أربعاً أربعاً: صلاة أربع ركعات متصلة، لحديث عائشة: «كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا».
***
2. عدد ركعات قيام الليل:
الحكم: لا يوجد عدد محدد.
المُعتاد من فعل النبي ﷺ: كان الأغلب من فعله صلاة (11 أو 13 ركعة).
جواز الزيادة: لا حرج في الزيادة على 11 ركعة (مثلاً 20 أو 30 ركعة)، خاصة إذا كان الإمام يترفق بالمصلين بتخفيف طول القيام.
الدليل على جواز الزيادة:
إطلاق النبي ﷺ في قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى».
فعل الصحابة: حين جمعهم عُمر رضي الله عنه على صلاة التراويح، كان أُبي بن كعب يُصلي بهم (23 ركعة: 20 شفعاً و3 وتراً) في حضور الصحابة ولم يُنكر عليه أحد.
***
3. صلاة التراويح:
هي صلاة قيام الليل ذاتها ولكنها شُرعت في جماعة في رمضان.
تاريخها: صلاها النبي ﷺ بالناس جماعة لعدة ليالٍ ثم توقف وعلل ذلك بقوله: «خشيت أن تفرض عليكم». فلما تُوفي ﷺ وانقطع الوحي وزالت علة الخوف من الفرضية، جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة عليها، واستمر عليها المسلمون.
##المبحث الخامس: قضاء قيام الليل والوتر
في حال نام المسلم عن وِرده من الليل أو نَسيه، يقضيه وفق الضوابط التالية:
وقت القضاء: في وقت صلاة الضحى (يبدأ بعد شروق الشمس وارتفاعها قدر رمح -أي بعد الشروق بربع أو ثلث ساعة تقريباً- ويمتد إلى قُبيل أذان الظهر بحوالي خمس دقائق).
صفة القضاء: تُقضى الصلاة (شفعاً) أي بعدد زوجي، وذلك بزيادة ركعة على العدد المعتاد، لئلا يقع وتران في نفس اليوم (ليل ونهار).
الدليل: فعل النبي ﷺ، حيث كان إذا فاته قيام الليل (وعادته 11 ركعة) قضاه من النهار (12 ركعة).
أمثلة عملية (من المُحاضر):
من عادته صلاة 3 ركعات يقضيها 4.
من عادته 5 يقضيها 6.
من عادته 9 يقضيها 10.
من عادته 21 يقضيها 22.
##المبحث السادس: صلوات التطوع والنوافل المتفرقة
1. صلوات مستحبة (سُنن غير مؤكدة):
قبل العصر: يُستحب صلاة أربع ركعات بين الأذان والإقامة، لقوله ﷺ: «رحم الله امرئ صلى قبل العصر أربعا».
قبل المغرب: يُستحب صلاة ركعتين، لقوله ﷺ: «صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب ثم قال لمن شاء».
***
2. صلاة الضحى:
حكمها وفضلها: مستحبة، وهي شكر لنعمة مفاصل الجسم (360 مفصلاً)، لقوله ﷺ: «يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة... كل تحميدة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة... ويجزئ عن ذلك كله أن يركع ركعتين من الضحى».
عددها: ركعتان، وتجوز بـ 4 أو 6 أو 8 ركعات.
وقتها: (كما ذُكر في وقت القضاء أعلاه).
أفضل أوقاتها (صلاة الأوابين): في آخر ساعة قبل الظهر عند اشتداد الحرارة (بين 11 و 12 ظهراً عُرفاً)، لقوله ﷺ: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال».
توضيح المُحاضر: الفصال (جمع فصيل وهو ابن الناقة)، وترمض أي تشتد عليها حرارة الأرض فلا تقوى على وضع أخفافها عليها.
***
3. تحية المسجد:
حكمها: مستحبة، (وليست واجبة).
دليل الاستحباب: قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
دليل الترجيح لعدم الوجوب: حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ: «خمس صلوات هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع شيئا»، فلو كانت واجبة لأخبره بها.
التشريك في النية: لا يُشترط صلاتها منفردة، بل تُجزئ عنها الفريضة، أو السنة الراتبة، أو سنة الوضوء، أو ركعتان مطلقتان إن لم يوجد سبب آخر.
***
4. صلاة الاستخارة:
حكمها ووصفها: من المستحبات، وتُصلى ركعتين.
الدليل: قوله ﷺ: «إذا هم أحدكم بأمر فليصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يقول...».
نص الدعاء (ويُقال بعد التشهد والتسليم برفع اليدين):«اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن كذا وكذا [ويُسمي حاجته] خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن كذا وكذا [ويُسمي حاجته] شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث ما كان ثم أرضني به».
التشريك في نيتها: يجوز دمج نيتها مع أي صلاة نافلة (سنة، ضحى، تحية مسجد، قيام ليل) لقوله ﷺ (من غير الفريضة).
ما بعد الاستخارة (توجيهات المُحاضر):
المضي قدماً في الأمر والأخذ بالاسباب.
علامة القبول: التيسير والبركة وانشراح الصدر.
علامة الرفض: التعسر وانقباض الصدر (توقف الأمور).
لا يُشترط إطلاقاً رؤية منام، وقد تظهر النتيجة في نصيحة مفاجئة من شخص.
إذا بقي التردد مستمراً، يُستحب تكرار الصلاة مرة أخرى.
📖 افتح في الموقع التفاعلي